القرطبي
9
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة - قوله تعالى : " بأيديهم " تأكيد ، فإنه قد علم أن الكتب لا يكون إلا باليد ، فهو مثل قوله : " ولا طائر يطير بجناحيه " ، وقوله " يقولون بأفواههم " وقيل : فائدة " بأيديهم " بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم ، فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيا له . وقال ابن السراج : " بأيديهم " كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم ، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم . الرابعة - في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع ، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد ، والعذاب الأليم ، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال : ( ألا من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) الحديث ، وسيأتي . فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس ، وقد وقع ما حدره وشاع ، . كثر وذاع ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . الخامسة - قوله تعالى : " ليشتروا به ثمنا قليلا " وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة ، إما لفنائه وعدم ثباته ، وإما لكونه حراما ، لان الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله . قال ابن إسحاق والكلبي : كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر ، فجعلوه آدم سبطا طويلا ، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم : انظروا إلى صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا ، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب ، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم ، فمن ثم غيروا . ثم قال تعالى : " فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " قيل من المآكل . وقيل من المعاصي . وكرر الويل تغليظا لفعلهم .